زكريا القزويني
463
آثار البلاد واخبار العباد
وحكي أنّه كان بينه وبين بعض الأمراء صداقة ، فتعاهدا على أن من مات منهما أوّلا فصاحبه يحمله إلى البقيع ، فمات الجمال الموصلي أوّلا في سنة خمسين وخمسمائة . فاشترى ذلك الأمير جمالا كثيرة . وعيّن قوما من الصلحاء وأقواما من المقرئين ، وأموالا للصدقة عنه في كلّ منزل ، وقال : الجمال الموصلي لا يبعث إلى البقيع إلّا هكذا . ودفنه بالبقيع بهذا الاحترام . وينسب إليها الشيخ كمال الدين بن يونس . كان جامعا لفنون العلوم عديم النظير في زمانه . في أيّ باحثته فكأنّه صاحب ذلك الفنّ من المنقول والمعقول . وأمّا فنّ الرياضيّات فكان فيه منفردا . ومن عجيب ما رأيت منه أن الفرنج في زمن الملك الكامل بعثوا إلى الشام مسائل أرادوا جوابها : منها طبيّة ، ومنها حكميّة ، ومنها رياضيّة . أمّا الطبيّة والحكميّة فأجاب عنها أهل الشام ، والهندسيّة عجزوا عنها . والملك الكامل أراد أن يبعث جواب الكلّ ، فبعثوا إلى الموصل إلى المفضّل ابن عمر الأبهري أستاذنا ، وكان عديم النظير في علم الهندسة ، فأشكل الجواب عليه ، فعرضه على الشيخ ابن يونس ، فتفكّر فيه وأجاب عنه ، والمسألة هذه نريد أن تبيّن قوسا أخرجنا لها وترا ، والوتر أخرج من الدائرة عملنا عليه مربعا ، تكون مساحة المقوّس كمساحة المربع . هذه صورتها : فكتب برهانه المفضل وجعل رسالة بعث بها إلى الشام إلى الملك الكامل ، فلمّا مشيت إلى الشام رأيت فضلاء الشام يتعجّبون من تلك الرسالة ، ويثنون على استخراج ذلك البرهان ، فإنّه كان نادر الزمان . وينسب إليها الشيخ فتح الموصلي . كان الغالب عليه الخوف والبكاء ، وفي أكثر أوقاته كان باكيا . فلمّا توفي رئي في المنام ، قيل له : ما فعل اللّه بك ؟ قال : أوقفني بين يديه وقال : ما الذي أبكاك ؟ فقلت : يا ربّ الخجالة من ذنوبي ! فقال : وعزّتي وجلالي ، أمرت ملك الذنوب أن لا يكتب عليك أربعين سنة لبكائك من هيبتي !